محمد بن جرير الطبري

193

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إذا أن يكون تأويل الآية : ولكن في الأَرض منازل ومساكن ، تستقرون فيها استقراركم كان في السماوات ، وفي الجنات في منازلكم منها ، واستمتاع منكم بها وبما أخرجت لكم منها ، وبما جعلت لكم فيها من المعاش والرياش والزين والملاذ ، وبما أعطيتكم على ظهرها أيام حياتكم ومن بعد وفاتكم لأَرماسكم وأجداثكم ، تدفنون فيها وتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن أبدلكم بها غيرها . القول في تأويل قوله تعالى . فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ قال أبو جعفر : أما تأويل قوله : فَتَلَقَّى آدَمُ فقيل إنه أخذ ، وقيل أصله التفعل من اللقاء كما يتلقى الرجل الرجل يستقبله عند قدومه من غيبة أو سفر ، فكذلك ذلك في قوله : فَتَلَقَّى كأنه استقبله فتلقاه بالقبول ، حين أوحى إليه ، أو أخبر به . فمعنى ذلك إذا : فلقى الله آدم كلمات توبة فتلقاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبا فتاب الله عليه بقيله إياها وقبوله إياها من ربه . كما : حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ الآية ، قال : لقاهما هذه الآية : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وقد قرأ بعضهم : " فتلقى آدم من ربه كلمات " فجعل الكلمات هي المتلقية آدم . وذلك وإن كان من وجهة العربية جائزا إذ كان كل ما تلقاه الرجل فهو له متلق وما لقيه فقد لقيه ، فصار للمتكلم أن يوجه الفعل إلى أيهما شاء ويخرج من الفعل أيهما أحب ، فغير جائز عندي في القراءة إلا رفع " آدم " على أنه المتلقي الكلمات لإِجماع الحجة من القراء وأهل التأويل من علماء السلف والخلف على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات ، وغير جائز الاعتراض عليها فيما كانت عليه مجمعة بقول من يجوز عليه السهو والخطأ . واختلف أهل التأويل في أعيان الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ، فقال بعضهم بما : حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا ابن عطية ، عن قيس ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ قال : أي رب ألم تخلقني بيدك ؟ قال : بلى ، قال : أي رب ألم تنفخ في من روحك ؟ قال : بلى ، قال : أي رب ألم تسكني جنتك ؟ قال : بلى ، قال : أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك ؟ قال : بلى ، قال : أرأيت إن أنا تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة ؟ قال : نعم . قال : فهو قوله : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ وحدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم ، قال : حدثنا محمد بن مصعب ، عن قيس بن الربيع ، عن عاصم بن كليب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس نحوه . وحدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ قال : إن آدم قال لربه إذ عصاه رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت ؟ فقال له ربه : إني راجعك إلى الجنة . وحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ذكر لنا أنه قال : يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت ؟ قال : إني إذا راجعك إلى الجنة . قال : وقال الحسن إنهما قالا : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وحدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم العسقلاني ، قال : حدثنا أبو جعفر عن الربيع . عن أبي العالية في قوله : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ قال : إن آدم لما أصاب الخطيئة ، قال : يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت ؟ فقال